أحمد ياسوف

243

دراسات فنيه في القرآن الكريم

الحديث لا تصلح لتفسير القرآن ، وهي خطيرة ، لأن القرآن كتاب اللّه وخطابه إلى البشرية جمعاء ، ولا يظن أي باحث أن بني ثقيف كانوا بعيدين عن الخضرة ، وأن الأرض العربية في الجزيرة كلها صحراء ، ولا يظن أن الترغيب بالعنب قاصر على العربي غير ليس له هذا التأثير عند الرومي . ويمكن أن نقول : إن العربي حينذاك أول المتأثرين بصور الطبيعة في حيز الصورة الفنية وفي مشاهد القيامة والجنة والنار ، لكون الأرض العربية مهبط البيان القرآني ، ولعل الذين تكلموا على عناصر البيئة في الصورة القرآنية فهموا خطأ ما جاء عند الشراح ، مثل ما أورده ابن ناقيا البغدادي صاحب « الجمان في تشبيهات القرآن » إذ قدم تنظيرا في بعض المواضع من كتابه حول أهمية الطبيعة الدائمة في الصورة البصرية . وذلك مثل وقفته عند الآية الكريمة : وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [ الكهف : 29 ] ، يقول : « فلما كانوا يلجئون إلى ورود هذه المياه ، ويلقون العناء بشربها ، والكلفة في تناولها ، وكان القرآن قد نزل بلسانهم ، وعلى ما عهد من شأنهم ، ذكر اللّه تعالى لهم من العذاب الذي أعدّه للظالمين ما يكون في بعض أحوالهم مثال له ، فيذكرون الكثير باليسير ، والغائب بالحاضر . . وكما خوّفوا بشرب هذا الماء ، فكذلك شوّقوا إلى أنهار الجنة ومائها وسلسبيلها وتسنيمها ، ليروا أن ذلك أنفس بالقياس إلى ما وضعوه في أشعارهم » « 1 » . ولكن هذا التعليل لا يعني أن ضرورة الماء خاصة بالعرب ، فهي عنصر هام في حياة البشرية ، وكل الطبيعة المختارة لإبراز جوانب الصورة البصرية شاملة عامة ، لأنها من حيث تأثيرها قائمة في أذهان كل مجتمع ،

--> ( 1 ) الجمان ، ص / 147 ، السلسبيل الماء السهل المرور في الحلق لعذوبته ، والتسنيم : عين في الجنة .